لم تعد أخبار فقدان الأطفال والقاصرين في سوريا حوادث فردية عابرة يمكن التعامل معها بوصفها وقائع متفرقة. فخلال أسابيع قليلة فقط، توالت قصص الخطف والقتل والاعتداء بحق أطفال كان يفترض أن يكونوا في مدارسهم أو بين عائلاتهم، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى عناوين موجعة تتصدر صفحات التواصل الاجتماعي ونداءات البحث والاستغاثة.
أحدث هذه المآسي كانت الطفلة أسيل رفعت خطاب (7 سنوات) من مدينة الضمير بريف دمشق، التي خرجت من منزلها لشراء بعض الحاجيات ولم تعد. وبعد يومين من البحث والترقب، عُثر عليها جثة هامدة داخل شقة مهجورة قرب منزل عائلتها، في مشهد أعاد إلى الأذهان سلسلة من الجرائم التي استهدفت أطفالاً خلال الفترة الأخيرة.
وقبل أسيل، هزت قضية الطفلة فرح عمار الرأي العام في محافظة درعا، بعد مقتلها في جريمة ارتبطت بادعاءات تتعلق بالسحر والشعوذة. كما عُثر على الطفلة غلا خميس مقتولة خنقاً في دير الزور، فيما أثارت قضية الطفلة نور مهند الدوس صدمة واسعة بعد تعرضها لجريمة مروعة انتهت بمقتلها. وفي إدلب، وثقت كاميرات المراقبة حادثة تحرش بطفلة على يد رجل مسن، لتكشف جانباً آخر من المخاطر التي تواجه الأطفال يومياً.
ولا تتوقف المأساة عند من انتهت حياتهم بهذه الطريقة المروعة، فهناك أيضاً عشرات العائلات التي تعيش قلق الانتظار والبحث عن بناتها المفقودات. ففي الأيام الأخيرة أُعلن عن فقدان القاصرات كفى محمود اليونس وغرام بنت بكري حج خليل وأميمة علي الرفاعي وإيلاف منصور الحريري، بينما انتهت بعض الحالات بالعثور على الفتيات، وما تزال حالات أخرى مفتوحة وسط غموض يلف مصيرهن.
هذا التتابع السريع للحوادث يطرح أسئلة ملحة حول واقع حماية الأطفال في سوريا، وحول قدرة المؤسسات المعنية على التصدي للجرائم التي تستهدفهم. فحين تصبح طفلة ذاهبة إلى متجر قريب أو فتاة متجهة إلى عملها عرضة للاختفاء، فإن القضية تتجاوز حدود الحوادث الفردية لتتحول إلى مشكلة مجتمعية وأمنية تستدعي استجابة عاجلة.
ويؤكد مختصون في شؤون الطفولة أن حماية الأطفال لا تقتصر على دور الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والمؤسسات التعليمية والأمنية. فتعزيز الرقابة في الأحياء، وتسريع الاستجابة لبلاغات الفقدان، وتفعيل برامج التوعية للأطفال والأهالي، وتشديد العقوبات بحق مرتكبي الجرائم ضد القاصرين، كلها خطوات ضرورية للحد من هذه الظاهرة.
وفي الوقت الذي تعيش فيه عائلات الضحايا آلاماً لا يمكن تعويضها، تبقى الرسالة الأهم أن الأطفال ليسوا مجرد أرقام في سجلات الجرائم أو أسماء تتصدر الأخبار لساعات ثم تُنسى. إنهم مستقبل المجتمع وحقهم في الأمان والحياة مسؤولية لا يجوز التهاون بها.
فكم طفلاً آخر يجب أن نفقد قبل أن تتحول حماية الطفولة إلى أولوية حقيقية؟ وكم عائلة أخرى يجب أن تعيش مرارة الانتظار والخوف قبل أن تتحرك الجهات المعنية لحماية أكثر الفئات ضعفاً وبراءة في المجتمع؟
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد أخبار متفرقة، بل جرس إنذار يدعو الجميع إلى التحرك، لأن حماية الأطفال ليست خياراً، بل واجب إنساني وأخلاقي وقانوني لا يحتمل التأجيل.
© Powered By SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2026