جولان تايمز - خلود حسن
في صباح دمشق الهادئ، لم يكن وصول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مجرد محطة بروتوكولية في أجندة العلاقات الدولية، بل حدثاً سياسياً حمل دلالات تتجاوز حدود العلاقات السورية الفرنسية. فالرئيس الذي كان يمثل إحدى أكثر الدول الأوروبية تشدداً تجاه دمشق خلال سنوات الحرب، وجد نفسه بعد أقل من عامين على سقوط نظام بشار الأسد يزور العاصمة السورية ويلتقي القيادة الجديدة، في خطوة اعتبرها مراقبون إعلاناً عملياً عن دخول سوريا مرحلة مختلفة في علاقتها مع الغرب.
الزيارة التي وُصفت في وسائل إعلام أوروبية وعربية بأنها "تاريخية" فتحت الباب أمام تساؤلات جوهرية: لماذا اختارت باريس هذا التوقيت؟ وما الذي تبحث عنه فرنسا في سوريا الجديدة؟ وهل تمثل الزيارة بداية مسار أوروبي أوسع نحو دمشق أم أنها خطوة فرنسية مرتبطة بحسابات خاصة؟
طوال أكثر من عقد من الزمن، كانت فرنسا في مقدمة الدول الغربية الداعمة لعزل النظام السوري السابق سياسياً ودبلوماسياً. لكن المشهد السوري بعد عام 2024 فرض معطيات مختلفة على صناع القرار الأوروبيين.
فمع سقوط النظام السابق وصعود سلطة جديدة تحظى باعتراف متزايد إقليمياً ودولياً، بدأت المقاربة الغربية تتغير تدريجياً. وبعد سلسلة اتصالات ومشاورات سياسية خلال العامين الماضيين، جاءت زيارة ماكرون لتشكل الانتقال الأكثر وضوحاً من مرحلة المراقبة إلى مرحلة الانخراط المباشر.
وبالنسبة لفرنسا، فإن تجاهل التحولات الجارية في سوريا لم يعد خياراً واقعياً، خاصة في ظل ارتباط الملف السوري بمجموعة من القضايا التي تمس الأمن الأوروبي بشكل مباشر، بدءاً من مكافحة الإرهاب وصولاً إلى ملف الهجرة وأمن الحدود الإقليمية.
رسمياً، ركزت الزيارة على دعم الاستقرار السوري وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني. لكن تفاصيل البرنامج حملت إشارات أعمق من التصريحات المعلنة.
فإلى جانب اللقاءات الرسمية مع الرئيس السوري أحمد الشرع وكبار المسؤولين، عقد ماكرون اجتماعات مع ممثلين عن المجتمع المدني وشخصيات من خلفيات سياسية واجتماعية متعددة، في رسالة أرادت باريس من خلالها التأكيد على دعمها لمسار سياسي شامل يضم مختلف المكونات السورية.
كما لفت الأنظار حجم الوفد الاقتصادي المرافق للرئيس الفرنسي، والذي ضم مسؤولين من قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار، ما كشف أن الجانب الاقتصادي لم يكن مجرد بند ثانوي، بل أحد المحاور الرئيسية للزيارة.
من منظور استراتيجي، تنظر باريس إلى سوريا باعتبارها نقطة ارتكاز مهمة في شرق المتوسط والمشرق العربي.
فبعد سنوات من تراجع النفوذ الفرنسي في المنطقة لصالح قوى أخرى، ترى دوائر القرار في باريس أن المرحلة الحالية توفر فرصة لإعادة بناء حضور سياسي واقتصادي فقدت جزءاً كبيراً منه خلال العقد الماضي.
وتشير قراءة مواقف مراكز الأبحاث الفرنسية إلى أن صناع القرار في باريس ينظرون إلى سوريا باعتبارها ملفاً متعدد الأبعاد، يجمع بين الأمن والطاقة والاستثمار والتوازنات الإقليمية.
لذلك لا تبدو الزيارة مجرد مبادرة دبلوماسية، بل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تثبيت الحضور الفرنسي في منطقة تشهد إعادة رسم واسعة لموازين القوى.
خلف المشاهد البروتوكولية واللقطات الإعلامية، برز الملف الأمني كأحد أهم دوافع التحرك الفرنسي.
فأوروبا لا تزال تنظر بقلق إلى خطر عودة التنظيمات المتطرفة للنشاط في سوريا والمنطقة. كما أن باريس تعتبر أن استقرار سوريا يمثل عاملاً أساسياً في الحد من موجات الهجرة غير النظامية ومنع تشكل بيئات جديدة للتطرف.
وفي هذا السياق، حملت الزيارة رسائل واضحة بشأن التعاون في مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الأمنية ومراقبة التحركات المرتبطة بالتنظيمات المتشددة.
ويرى خبراء أن هذا البعد الأمني قد يكون أكثر أهمية بالنسبة لفرنسا من كثير من الملفات الأخرى المطروحة على الطاولة.
إذا كانت السياسة هي الوجه المعلن للزيارة، فإن الاقتصاد يبدو وجهها الأكثر أهمية على المدى الطويل.
فبعد سنوات من الدمار الذي طال قطاعات واسعة من البنية التحتية السورية، تتجه الأنظار إلى واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة.
وتدرك فرنسا أن الدخول المبكر إلى السوق السورية قد يمنح شركاتها أفضلية في مشاريع مستقبلية بمليارات الدولارات تشمل الطاقة والكهرباء والنقل والاتصالات والإسكان والخدمات.
ولهذا السبب، لم يكن وجود رجال الأعمال الفرنسيين ضمن الوفد الرئاسي مجرد تفصيل بروتوكولي، بل مؤشراً واضحاً على أن باريس تنظر إلى سوريا باعتبارها فرصة اقتصادية واعدة إلى جانب كونها ملفاً سياسياً وأمنياً.
تتجاوز أهمية الزيارة حدود العلاقات الثنائية بين باريس ودمشق.
ففرنسا غالباً ما لعبت دوراً مؤثراً في صياغة السياسات الأوروبية تجاه الشرق الأوسط، ما يجعل تحركها نحو سوريا موضع متابعة دقيقة داخل العواصم الأوروبية.
ويرى مراقبون أن نجاح الزيارة قد يشجع دولاً أوروبية أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة خلال المرحلة المقبلة، خاصة إذا ترافق ذلك مع تقدم في ملفات الاستقرار والأمن وإعادة الإعمار.
لكن في المقابل، لا تزال هناك داخل أوروبا أصوات تدعو إلى الحذر، وتطالب بربط أي انفتاح سياسي إضافي بمسارات إصلاحية واضحة داخل سوريا.
إقليمياً، قُرئت الزيارة باعتبارها مؤشراً جديداً على تسارع عملية إعادة دمج سوريا في محيطها الدولي.
فخلال الأشهر الماضية شهدت دمشق سلسلة زيارات واتصالات دبلوماسية رفيعة المستوى، إلا أن زيارة رئيس دولة غربية بحجم فرنسا حملت ثقلاً سياسياً مختلفاً.
وبالنسبة لدول المنطقة، فإن الحدث يعكس إدراكاً دولياً متزايداً بأن استقرار سوريا بات جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي ككل، وأن تجاهل دمشق لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار.
كما هو الحال مع معظم الأحداث الكبرى، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة نقاش موازية للزيارة.
ففي حين اعتبر مؤيدو الزيارة أنها تمثل اعترافاً دولياً متزايداً بالقيادة السورية الجديدة وعودة دمشق إلى الساحة الدولية، رأى منتقدون أن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية هي المحرك الأساسي للتحركات الغربية.
بين هذين الموقفين، ظهرت أصوات تدعو إلى التركيز على النتائج العملية للزيارة، معتبرة أن أهمية الحدث ستقاس بما ينعكس على حياة السوريين من استثمارات وفرص عمل وتحسن في الخدمات والبنية التحتية.
القراءة الأعمق للزيارة تشير إلى أنها ليست مجرد زيارة رئيس إلى عاصمة أجنبية، بل تعبير عن تحولات جيوسياسية أوسع تشهدها المنطقة منذ سنوات.
فالشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب العلاقات والتحالفات، وسوريا باتت جزءاً من هذا التحول. وفي هذا السياق، تحاول القوى الدولية إعادة تموضعها بما ينسجم مع الوقائع الجديدة على الأرض.
بالنسبة لفرنسا، تبدو دمشق اليوم بوابة للعودة إلى ملفات كانت قد فقدت فيها جزءاً كبيراً من نفوذها. أما بالنسبة لسوريا، فإن الزيارة تمثل اختباراً لقدرتها على تحويل الانفتاح السياسي والدبلوماسي إلى مكاسب اقتصادية وتنموية ملموسة.
قد يكون الحدث الأبرز في زيارة ماكرون إلى دمشق أنها كسرت حاجزاً سياسياً ظل قائماً لسنوات، لكنها في الوقت ذاته فتحت الباب أمام مرحلة جديدة لا تزال ملامحها النهائية قيد التشكل.
فالزيارة لا تعني بالضرورة اكتمال عودة سوريا إلى المشهد الدولي، كما لا تعني أن الخلافات والملفات العالقة قد انتهت. لكنها بلا شك تشكل مؤشراً قوياً على أن الغرب بدأ يتعامل مع سوريا الجديدة باعتبارها واقعاً سياسياً لا يمكن تجاهله.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستتحول هذه الزيارة إلى نقطة انطلاق لعلاقات جديدة بين دمشق والعواصم الغربية، أم أنها ستبقى حدثاً رمزياً فرضته حسابات المرحلة؟ الإجابة لن تأتي من التصريحات الرسمية، بل من المسار الذي ستسلكه العلاقات الدولية مع سوريا خلال السنوات القليلة المقبلة.
© Powered By SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2026