دمشــق24 أيار, 2026

بين الفواتير المليونية والطاقة الشمسية.. كيف يعيش السوريون أزمة الكهرباء؟

تاريخ النشر:
2026-05-24
1220 مشاهدة

تشهد البيئة السورية اليوم تحولًا داخليًا في واحد من أكثر القطاعات حيوية وحساسية، وهو قطاع الطاقة، حيث لم تعد الكهرباء مجرد خدمة عامة، بل تحولت إلى أداة لفرز طبقي حاد يهدد ما تبقى من تماسك اجتماعي. ومع دخول القرارات الحكومية الجديدة حيز التنفيذ، وجد السوريون أنفسهم أمام صدمة أعادت رسم خارطة الإنفاق المنزلي، حيث قفزت الفواتير إلى مستويات لا تتناسب مطلقًا مع مستويات الدخل التي تآكلت بفعل نسبة التضخم الجامح التي بلغت 200% في عام 2025 وحده.

فواتير مليونية وصرخات من قاع الفقر: حكاية العجز اليومي

لم تكن الزيادات السعرية الأخيرة مجرد تعديل للأرقام، بل كانت إعادة هيكلة شاملة تهدف إلى تحميل المستهلك المنزلي العبء الأكبر من تكاليف الإنتاج. بموجب القرارات الجديدة، تم تقسيم التعرفة المنزلية إلى شرائح تصاعدية تبدأ بـ600 ليرة للكيلوواط الساعي للشريحة الأولى، لتقفز فورًا إلى 1400 ليرة للكيلوواط لما يزيد على 300 كيلوواط.

خلف هذه الأرقام، تبرز مآسٍ إنسانية يرويها أصحابها بمرارة؛ محمد، أحد المستأجرين في منطقة ضاحية قدسيا، يقول لموقع "الترا سوريا": "كنت أحسب حساب أجرة المنزل، أما اليوم، فالفاتورة هي التي تؤرقني؛ فكيف يعقل أن أدفع مليونًا ونصف المليون ليرة للكهرباء، وهو رقم يساوي إيجار منزلي بالكامل؟".

هذا المواطن، وغيره كثر، بات يرى في فاتورة الكهرباء غريمًا يشاركه قوت يومه. أما سمير، وهو طالب جامعي يقطن في غرفة في حي الدويلعة، فيروي أن فاتورته بلغت 500 ألف ليرة، رغم أن استهلاكه يقتصر على الإنارة وشحن الهاتف، واصفًا التقسيمات بأنها تخضع لتقدير المالك الشخصي في ظل غياب العدادات المنفصلة.

قفزت فواتير الكهرباء إلى مستويات لا تتناسب مطلقًا مع مستويات الدخل التي تآكلت بفعل نسبة التضخم الجامح التي بلغت 200%

وفي دمشق، تبرز قصة سيدة معيلة لأسرتها تلقت إنذارًا بدفع مليوني ليرة، بينما لا يتجاوز راتبها الشهري 800 ألف ليرة، ما يضعها أمام استحالة حسابية للبقاء؛ فالمعادلة هنا لم تعد اقتصادية بل أصبحت وجودية، حيث المفاضلة بين النور ولقمة الخبز.

سحب العدادات: عندما يصبح النور عقابًا جماعيًا

لم يتوقف الأمر عند حدود الغلاء، بل انتقلنا إلى مرحلة الردع. بدأت شركات الكهرباء بتوزيع إنذارات ورقية باللون البرتقالي على المشتركين المتأخرين عن تسديد فواتيرهم لدورتين أو أكثر، متضمنة تحذيرات صريحة بإلغاء الاشتراك وسحب العداد نهائيًا. هذا الإجراء حول الكهرباء من حق إلى امتياز مهدد، ووضع ملايين السوريين أمام خيارين: إما تسديد مبالغ تفوق دخلهم الشهري بكثير، أو العيش في عتمة دائمة.

تؤكد التقارير أن نسبة القادرين على تسديد هذه الفواتير لا تتجاوز 5% من السكان، بينما تضطر الغالبية الساحقة لتقليص الإنفاق على الغذاء والصحة لتأمين ثمن الكهرباء. وما يزيد الطين بلة هو الاعتماد على الجباية التقديرية نتيجة نقص العدادات، حيث يُفرض استهلاك افتراضي يبلغ 400 كيلوواط على المشتركين، في حين يُعاقب الملتزم بدفع ثمن طاقة قد لا يكون استهلكها فعليًا، بينما يهرب المخالفون عبر الاستجرار غير المشروع.

لذا نجد أن كوة الجباية المخصصة لدفع فواتير الكهرباء تكتظ بالمعترضين على مبالغ الفواتير، حاملين كل الأوراق والفواتير السابقة التي تثبت قلة استهلاكهم علّها تساعدهم.

فخ الطاقة الشمسية: رؤية من داخل السوق ومرارة الخديعة

اندفع السوريون نحو الطاقة الشمسية كطوق نجاة، لكن هذا الحل سرعان ما تحول إلى عبء مالي وتقني.  يتحدث إلينا نادر، مدير مبيعات في إحدى شركات الطاقة المتجددة، ليوضح أن الإقبال يزداد صيفًا، لكن الكلفة التأسيسية تظل العائق الأكبر؛ حيث تبدأ الأسعار من 500 إلى 700 دولار للأنظمة البسيطة جدًا، وتتجاوز 25 مليون ليرة للمنظومات المتوسطة، وهو مبلغ لا تملكه العائلات إلا عبر الاستدانة المرّة.

بينما يكشف العاملون في السوق عن الجانب المظلم لهذا القطاع؛ فكثير من المعدات المتوفرة هي في الأصل نفايات تقنية مُعاد تدويرها، مثل بطاريات الليثيوم التي تُجلب من سيارات كهربائية منسقة في الخارج وتُباع في سوريا كمنتجات جديدة.

رأفت، أحد الفنيين العاملين في مجال الطاقة الشمسية المنزلية في دمشق، يحذر من خديعة الكفالة، قائلًا: "كثير من الشركات تعطي كفالة لسنوات، لكن عند وقوع العطل، يتهربون بحجج فنية أو تختفي الشركة تمامًا من السوق".

بالإضافة إلى ذلك، فإن عمر البطاريات الأنبوبية غالبًا ما ينتهي خلال عام واحد نتيجة سوء الشحن أو رداءة التصنيع، ما يجعل الاستثمار في الطاقة الشمسية ثقبًا أسودًا يستنزف مدخرات العائلات دون ضمانات حقيقية، تاركًا إياهم في منتصف الطريق بين الظلام والديون.

القروض المتعثرة واقتصاد الأمبيرات: جحيم الخيارات المحدودة

في ظل هذه الأزمة يسعى الناس لإيجاد الحلول البديلة والاعتماد عليها، وأحد هذه الحلول يتمثل بالقروض المخصصة للطاقة الشمسية من خلال صندوق دعم الطاقات المتجددة، غير أنها بقيت نخبويّة وبيروقراطية.

 الأمبيرات ليست مجرد كهرباء، بل هي تجسيد لنظام اقتصادي موازٍ يستغل حاجة الناس الملحة، حيث تحول النور إلى سلعة تباع لمن يدفع أكثر

فالقروض تشترط وجود ضمانة عقارية وكفلاء موظفين، وهي شروط تقصي المستأجرين والمهجرين الذين هم الأكثر تضررًا. وحتى لمن استطاع الحصول على القرض، فإن القسط الشهري قد يلتهم نحو 80% من الراتب، ما يحول القرض إلى فخ ديون طويل الأمد يرهن دخل الأسرة لسنوات.

وفي ظل هذا الظرف، تمددت ظاهرة الأمبيرات التي يباع الكيلوواط الساعي فيها بأسعار تتراوح بين 9 آلاف و14 ليرة. هذا القطاع الذي يديره التجار يمثل استنزافًا يوميًا لا ينقطع، حيث يضطر المشتركون لدفع مبالغ إضافية تحت ذريعة ارتفاع أسعار المازوت، أو تكاليف الصيانة التي تصل إلى 50 مليون ليرة للقطعة الواحدة للمولدة.

إن هذه الأمبيرات ليست مجرد كهرباء، بل هي تجسيد لنظام اقتصادي موازٍ يستغل حاجة الناس الملحة، حيث تحول النور إلى سلعة تباع لمن يدفع أكثر، تاركة الآخرين في هوامش الفقر.

في المحصلة، لا تقاس أزمة الطاقة في سوريا بالأرقام الفلكية للفواتير أو بأسعار الأمبيرات والبطاريات المتهالكة، بل تُقاس بحجم الوضع الذي يعيشه السوريون داخل بيوتهم. لقد تحول النور اليوم من حاجة بديهية إلى حلم بعيد المنال، وتسللت العتمة من الشوارع والبيوت لترخي بظلالها على النفوس والأرواح التي أنهكها الغلاء والتضخم.

 

شارك:
كلمات مفتاحية:
المجلة الالكترونية

© Powered By SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2026