شهدت كاتدرائية سيدة النياح (كنيسة الزيتون) في دمشق قداسًا احتفاليًا، بمشاركة ممثلين عن مختلف الطوائف المسيحية، إلى جانب ممثلين أوروبيين رسميين وشخصيات دينية عالمية، وذلك بمناسبة انتهاء خدمة السفير البابوي في سوريا، نيافة الكاردينال ماريو زيناري. وأُقيم القداس يوم الجمعة الموافق 23 كانون الثاني 2026.
وعقب انتهاء القداس، تقدّمت مجموعة من الشبان السوريين المسيحيين حاملين أوراقًا دوّنوا عليها عبارات تعبّر عن آرائهم ومشاعرهم إزاء واقعهم ومستقبلهم في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، ووجّهوها كرسالة مباشرة إلى السفير البابوي قبيل عودته إلى الفاتيكان في روما. ومن بين العبارات التي وردت: «لسنا ضحايا» و«نرفض أن نكون ضحايا الصراعات»، في إشارة إلى رفضهم لما يتعرض له المكوّن المسيحي منذ نحو عامين، إضافة إلى مطالب أخرى أبرزها: «نريد الحياة بأمان» و«افتحوا لنا باب الهجرة».
وجاءت هذه المطالب وردود الفعل في أعقاب تقارير إعلامية تناولت حوادث استهدفت المكوّن المسيحي خلال الفترة الماضية، من أبرزها تفجير كنيسة مار الياس الذي أسفر عن سقوط عشرات الضحايا والجرحى، إضافة إلى سرقة تمثال القديس بولس في منطقة باب شرقي خلال شهر كانون الأول من العام الماضي، والذي يحمل رمزية دينية خاصة كونه هدية من قداسة البابا يوحنا بولس الثاني إلى الكنيسة في دمشق. كما شهدت منطقة وادي النصارى في ريف حمص حوادث قتل وترويع وسرقة، إلى جانب معاناة اقتصادية متفاقمة تشمل البطالة وضيق سبل العيش، ما ينعكس بشكل مباشر على قدرة الشباب على بناء مستقبلهم، وهي معاناة تطال فئات واسعة من السوريين عمومًا.
وقد وثّقت وسائل إعلام عديدة هذه الأحداث التي تصدّرت الرأي العام، وأسهمت، في ظل غياب حوار شفاف وحقيقي مع الرعية لإيجاد حلول وتوضيح الرؤية المستقبلية للمكوّن المسيحي كشريك في بناء الدولة، ولا سيما فئة الشباب، في دفع الشارع المسيحي للمطالبة بحقه في الحياة الآمنة وبوجود من يمثّله ويعبّر عن هواجسه. ويعزو ذلك إلى شعوره الدائم بالتعرّض لمخاطر أمنية، تشمل السرقة أو التفجير أو القتل، ليس في دمشق فحسب، بل في معظم المناطق السورية، وهي مخاطر تلقي بظلالها على مختلف مكوّنات المجتمع السوري.
وانطلاقًا من ذلك، تمكّنت المجموعة الشبابية من إيصال صوتها إلى الكاردينال بصفته مرجعية رعوية، ناقلةً واقع الوجود المسيحي ومخاوفه ومطالبه، مع التأكيد على ضرورة فتح حوار كنسي مباشر مع الرعايا للوقوف على مظاهر التهميش والمخاطر المحيطة بهم، والاطلاع على رؤية الكنيسة لمستقبل الشباب المسيحي. كما شدّدوا على أهمية وجود جهة تمثّلهم وتعكس آراءهم وتعبّر عن مخاوفهم وخياراتهم المستقبلية، وحقهم في العيش بأمان والحصول على فرص عمل تؤمّن لهم متطلبات الحياة في ظل الغلاء المعيشي، ولا سيما في ظل حالات الفصل التعسفي التي طالت العديد من العاملين في المؤسسات الحكومية على أسس تفضيلية مناطقية أو مذهبية.
من جهته، وعد الكاردينال بنقل هذه المطالب الشعبية إلى الفاتيكان والعمل على متابعتها مع الهيئات الكنسية المختصة، داعيًا في الوقت ذاته إلى فتح قنوات حوار مع الشباب للاستماع إلى مطالبهم وإطلاعهم على موقف الكنيسة والخطوات التي تعتزم اتخاذها، مؤكدًا أهمية الدور الاجتماعي الفاعل للكنيسة، ورافضًا فكرة تكيف الشباب مع المساعدات على حساب مستقبلهم.
ويرى متابعون أن هذا المشهد قد يشكّل بداية لطرح أفكار وخيارات ترتبط بشكل مباشر بمستقبل شريحة واسعة من الشباب المسيحي، في وقت بدأ فيه صوتهم بالتبلور والتعبير عن هموم متراكمة، لا سيما مع وصول صداها إلى أصحاب القرار الكنسي، الذين أبدوا استعدادهم للاستماع والبحث في الحلول الممكنة.
ويبقى التساؤل مطروحًا حول ما إذا كانت هذه النداءات ستُترجم إلى خطوات عملية تُسهم في الاستجابة لمطالب الشارع المسيحي في سوريا، أم أنها ستبقى رهينة الوعود في ظل تحديات متزايدة تعصف بالبلاد.
© Powered By SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2026