دمشــق2 أيار, 2026

الجفاف يوحّد الجغرافيا السورية: الزراعة تحتضر بصمت

تاريخ النشر:
2025-08-15
721 مشاهدة
جريدة الأخبار اللبنانية - رحاب علي

إذا كانت أولى تأثيرات موجة الجفاف قد لمسها السوريون هذا الصيف من خلال معاناتهم في الحصول على مياه الشرب، فإن ما حلّ بمحاصيل الزراعة، بفعل التداعيات السلبية لذلك، يبدو أنه سيكون حاضراً لسنوات في حياة البلاد.

ينظر الفلاح الستّيني، شحود محمود، إلى كرمه المزروع بأشجار التين والزيتون في إحدى قرى منطقة مصياف، بأسى؛ إذ وللمرّة الأولى، يبخل عليه هذا الكرم بثماره نتيجة الجفاف وعدم القدرة على توفير مياه لسقاية الأشجار. ولذلك، اكتفى محمود بـ«قطاف محصول التين المتضرّر. أمّا موسم الزيتون، فالعوض على الله وهذا هو حال أغلب الفلاحين المنكوبين».

لا يقتصر ضرر كارثة الجفاف، التي لم تشهد سوريا مثيلاً لها منذ عقود، على أشجار الزيتون والتين، إذ إنّ جميع المحاصيل الزراعية تضرّرت بشكل كبير، ممّا بات يهدّد مستقبل الزراعة، سواء لجهة هجرة العمل الزراعي أو تغيير نوعية المحاصيل، للحدّ من الخسائر.
ويحذّر ممّا تقدّم، راكان حماد، الذي اعتاد زراعة أرضه بالقمح والقطن؛ فالكثير من الفلاحين، برأيه، باتوا يتّجهون نحو محاصيل أقلّ تكلفة وأعلى إنتاجية، كالكمون واليانسون وغيرها، لأنّ «من حقّ هؤلاء البحث عن حلول مجدية اقتصادياً كي يتاح لهم توفير معاش أُسَرِهم».

ويضيف، في حديثه إلى «الأخبار»، أنّ «تخلّي الدولة عن الزراعة، ستكون له عواقب وخيمة على صعيد الأمن الغذائي والمساحات المزروعة. ولذلك، لا بدّ من حزمة إجراءات داعمة بغية تشجيع الفلاحين على الزراعة: كوضع تسعيرة مجزية لمحصول القمح، منح القروض الزراعية مع إعفاء قسم من الديون بمقدار 30% على أن يقسّط الباقي على مدى عشر سنوات والتعويض من صندوق الكوارث، فأمواله هي أموال الفلاحين أساساً وهذا هو الوقت المناسب لتعويضهم».

ويتابع: «أمّا على المدى البعيد، فإنه يفترض إعداد خطط إستراتيجية ودراسات دقيقة لتفادي أزمة الجفاف وذلك عبر تأهيل السدود والمحافظة على مياهها لوقت الجفاف ووقف استنزاف المياه الجوفية والعمل على إعادة الغطاء الأخضر».

أبعدوا السياسة عن الزراعة

في ريف حلب الجنوبي، تبدو المعاناة أقسى، بحسب الفلاح بدر هويس؛ فهذه المنطقة مهملة بسبب سياسات خاطئة تخلط بين السياسة والزراعة، حيث تهمَل أرياف حلب لمصلحة مدينة إدلب، مع أنها تُعدّ من أجود الأراضي وأكثرها إنتاجية. ويقول، لـ«الأخبار»: «لا دخل للفلاحين بالنظام السابق أو أنظمة الحكم عموماً، ويفترض عدم تجريمهم تحت أيّ ظرف والتركيز بدلاً من ذلك على الزراعة فقط ودعمها لحماية الأمن الغذائي ودعم الاقتصاد المحلّي»، واصفاً تأثير كارثة الجفاف بـ«القاتل»، خاصة وأنها «تأتي بعد حرب مدمّرة: تهجير واستيلاء على الأراضي بعد سقوط النظام السابق وانخفاض كميات المياه التي يتمّ ضخّها من نهر قويق بسبب انقطاع الكهرباء وقلّة المحروقات».

موجة الجفاف التي تشهدها سوريا، تُعدّ الأسوأ منذ أكثر من 60 عاماً بحسب الخبراء

ويضيف، بنبرة العارف بحكم خبرته الطويلة: «الفلاح انتهى على كل الجبهات وخاصة بعد تعطيل عمل المصرف الزراعي والتحوّل إلى برنامج شام كاش؛ فالفلاح زرع محصوله بالدّين، لكن، إلى الآن، لم يقبض ثمنه وتقرّر دفعه على ثلاث مراحل مع عمولة تزيد من الخسائر». لذا، يرى الحلّ في «إعادة إحياء المصرف الزراعي وتفعيل صناديق الدعم كالطاقات المتجدّدة والريّ الحديث، بعد إثبات جدوى هذه السياسة في دعم القطاع الزراعي».

أمّا الساحل فتعرّض هو الآخر لانتكاسة اقتصادية كبيرة بعدما ضرب الجفاف المحاصيل الأساسية. وبحسب الفلاح مأمون محمد، فإنّ محاولة التقليل من حجم خسائر الجفاف عبر سقاية المزروعات، «عملية مكلفة جداً بسبب غياب الكهرباء والاضطرار إلى تشغيل المولّدات بالديزل». كذلك «أثّر الجفاف في منسوب المياه»، بحسب محمد، الذي يطالب بدعم الفلاحين، «أقلّه بتأمين الكهرباء والوقود للمناطق الزراعية وتأجيل القروض الزراعية ودعم البيوت البلاستكية، التي تجهز للموسم الشتوي».

خسائر بالمليارات

موجة الجفاف التي تشهدها البلاد، تُعدّ الأسوأ منذ أكثر من 60 عاماً بحسب الخبراء ولا تقتصر تأثيراتها على الزراعة بل تشمل أيضاً توفير مياه الشرب، إذ إنّ الكثير من التجمّعات السكانية، باتت عطشى. ووفقاً للباحث الزراعي، المهندس عبد الرحمن قرنفلة، فإنّ التقديرات تشير إلى تضرُّر نحو 2.5 مليون هكتار من الأراضي المزروعة بالقمح، في حين تشير بيانات «منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة» (الفاو) إلى أنّ 95% من القمح البعل تضرَّر بشكل شبه كلّي؛ وإذ يُتوقّع أن يكون إنتاج القمح المروي أقلّ بـ30% إلى 40% من المعتاد، فإنّ ذلك يُنذر بفجوة تتراوح بين 2.5 و2.7 مليون طن من الإنتاج المحلّي. وتضع هذه الأرقام، الحكومة السورية والاقتصاد الوطني، وفقاً لقرنقلة، أمام تحدٍّ خطير يتمثّل في تأمين القَطع الأجنبي اللازم لاستيراد حبوب القمح لإغلاق الفجوة في بلد أنهكته الحروب والفساد.

أمّا الحلول، من وجهة نظره، فـ«تتمثّل في اتّجاه مؤسسات البحوث العلمية لاستنباط أصناف من الأقماح تتحمّل الإجهادات البيئية، وقد يبدو احتمالاً منطقيّاً التوجّه إلى الهندسة الوراثية والتوصّل إلى أصناف قمح تروى بمياه البحر، أو انتخاب أصناف من الحبوب قصيرة العمر وإنشاء سدود وسدّات مائية إضافية واستخدام تقنيات الريّ الحديث وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مقبولة، إلى جانب منح أسعار تشجيعية للفلاحين».

من جانبه، يركّز الباحث الزراعي، المهندس إسماعيل عيسى، على نقطة أخرى في غاية الأهمية، تتعلّق بتأثيرات الجفاف في الثروة الحيوانية؛ فكما هو معروف مثلاً، تقدّم البادية السورية علفاً مجانيّاً للثروة الحيوانية لمدّة تزيد على ستة أشهر وعند احتساب قيمة هذه الأعلاف المجانية، عبر بيان قيمة بدائلها المستوردة، يتبيّن أنها تبلغ مليارات الليرات السورية، فضلاً طبعاً عن أضرار الاستيراد المعروفة. في المقابل، فإنّ مربّي الأغنام مضطرون إلى بيع نصف أغنامهم لإطعام النصف الآخر وهو ما يعني تدهوراً كبيراً في الثروة الحيوانية، كما أنّ الجفاف يؤدّي إلى نقص التغذية وبالتالي إصابة القطيع بالأمراض.

وفي ما يخصّ المحاصيل الزراعية، يؤكّد عيسى أنّ الجفاف «تسبّب بكارثة كبرى»، فإنتاج الحبوب البعلية وصل إلى الصفر وهو ما يعني خسائر بمليارات الليرات وتوليد قناعة لدى الفلاحين بعدم جدوى الاستمرار في العمل الزراعي، أي زيادة معدّلات الهجرة الداخلية والخارجية. كذلك، تقلّصت المساحات المروية، لعدم توفّر كميات المياه اللازمة للسقاية، ما وضع سوريا في دائرة الكارثة الخطيرة ونقَلها، مع أسباب أخرى، من دولة الاكتفاء الذاتي إلى دولة الحاجة.

شارك:
كلمات مفتاحية:
المجلة الالكترونية

© Powered By SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2026