في مشهد بات مألوفاً في أسواق قطاع غزة، يطلب الزبائن كميات ضئيلة من المواد الغذائية لا تتجاوز بضعة غرامات من الخميرة أو السكر أو الكاكاو، في تحول جذري لنمط الاستهلاك يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي يعيشها القطاع نتيجة الحصار الإسرائيلي وحرب الإبادة المتواصلة منذ نحو عامين.
هذا التغير في سلوك الشراء ليس سوى انعكاس مباشر لانهيار القدرة الشرائية لدى المواطنين، إذ لم يعد بمقدور كثيرين اقتناء السلع بالكيلوغرام كما جرت العادة، فباتوا يكتفون بأوقيات أو حتى عشرات الغرامات لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
ولم يقتصر التغير على المستهلكين فحسب، بل طال أيضاً أساليب البيع والتسعير. الباعة اضطروا إلى تقسيم بضائعهم إلى وحدات صغيرة، مسايرة للواقع المعيشي الخانق، ولضمان تصريف بضائعهم في ظل تراجع السيولة النقدية بشكل غير مسبوق.
يقول عماد العطار، أحد سكان دير البلح: "أصبحت أشتري 10 غرامات من الخميرة أو 20 غراماً من الكاكاو. حتى السكر، وهو من المواد الأساسية، لم أعد أستطيع شراءه بالكيلوغرام بسبب أسعاره الجنونية".
ويضيف أن الباعة بدورهم غيّروا من طرق التسعير، إذ لم تعد الأسعار تُحدد بالكيلو، بل بالأوقية والغرام، في مؤشر واضح على التدهور الاقتصادي، مشيراً إلى أن "السعر الذي كنا نشتري به الرطل قبل الحرب لا يكفي اليوم إلا لأوقية واحدة".
في سوق الأقصى بمدينة خانيونس، يوضح أسامة أبو جلال، بائع للسكر، أن سعر الكيلوغرام ارتفع من 3 شواكل إلى أكثر من 320 شيكلاً، ما دفعه إلى بيع السكر بالغرامات، قائلاً: "الزبائن يطلبون 20 أو 40 غراماً فقط، حسب قدرتهم. سعر الأوقية بلغ 80 شيكلاً، وهو خارج قدرة أغلب الناس".
أما فادي فايز، بائع للخميرة في سوق النصيرات، فيؤكد أن البيع بالغرامات أصبح نمطاً ضرورياً لتصريف البضائع، حيث تجاوز سعر الأوقية 150 شيكلاً. "نبيع 10 غرامات مقابل 5 شواكل فقط. هذا ما يستطيع الناس دفعه"، يقول فايز، لافتاً إلى أن الطلب المتزايد على الكميات الصغيرة جعل البيع المجزأ أكثر ربحية.
الخبير الاقتصادي سمير أبو مدللة يرى أن هذا التحول في أنماط الشراء والبيع يعبّر عن انهيار اقتصادي فعلي. ويقول: "حين يتحول شراء السكر إلى عملية بالغرام، فذلك مؤشر خطير على تدهور القدرة الشرائية".
ويضيف أن أسعار بعض السلع، مثل السكر، ارتفعت بنسبة تصل إلى 7000%، بينما يعاني السكان من نقص حاد في السيولة، ما يدفعهم لشراء الحد الأدنى من احتياجاتهم.
ويؤكد أبو مدللة أن إنقاذ السوق المحلي من الانهيار الكامل يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً، عبر إدخال كميات كافية من السلع بأسعار مناسبة، ومعالجة شح السيولة. كما يشير إلى أن هذه الظاهرة تكشف أيضاً خللاً هيكلياً في السوق الغزي نتيجة غياب الرقابة وخلل آليات العرض والطلب.
من جهته، يعتبر الباحث الاقتصادي نسيم أبو جامع أن الشراء بالغرامات أصبح بمثابة نظام غير رسمي لتوزيع السلع في ظل غياب البدائل، قائلاً: "منذ أكثر من خمسة أشهر لم تدخل أي مساعدات أو بضائع تجارية إلى غزة. الأسواق تعيش حالة فوضى قائمة على الندرة لا على المنافسة".
ويضيف أبو جامع أن 95% من سكان غزة باتوا يعتمدون كلياً على المساعدات الإنسانية، ومع استمرار إغلاق المعابر ومنع الإمدادات، لم يعد المواطن يبحث عن الكيلوغرام أو الرطل، بل عن الغرامات فقط، لتأمين بقائه اليومي.
© Powered By SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2026