في تقرير صادم، كشفت مجلة The Spectator البريطانية عن تفشي ظاهرة اختطاف فتيات ونساء من الطائفة العلوية في سوريا واحتجازهن كـ"سبايا" أو مستعبدات جنسيًا، في ظل ما وصفته بحالة من الخوف العميق تعيشها هذه المجتمعات. وأشارت المجلة إلى أن تلك الجرائم تزايدت عقب سقوط نظام الأسد، مع تصاعد هجمات انتقامية نفذتها ميليشيات موالية للسلطة الجديدة، وسط اتهامات للسلطات السورية بعدم القدرة أو الرغبة في وقف هذه الانتهاكات.
لقراءة النص كامل كما ورد في المجلة البريطانية يرجى الضغط هنا
تعيش مجتمعات الطائفة العلوية في سوريا حالة من الخوف الشديد من تعرض نسائها وفتياتها للاختطاف واحتجازهن كـ"سبايا" أو مستعبدات جنسيًا. بعد سقوط نظام الأسد، وفي ظل هجمات انتقامية نفذتها ميليشيات موالية للحكام الجدد في البلاد، وردت تقارير عن عمليات خطف بغرض الاغتصاب وحتى الزواج القسري. ويؤكد ناشطون علويون في مجال حقوق الإنسان أن بعض النساء ما زلن محتجزات، وأن عمليات الاختطاف لا تزال مستمرة، متهمين السلطات السورية بعدم الرغبة أو العجز عن وقف هذه الانتهاكات.
ويقول الناشطون إن ما بين 50 إلى 60 امرأة وفتاة تم اختطافهن، وهي أرقام تبدو صغيرة مقارنةً بمجزرة طائفية قُتل فيها أكثر من 1600 مدني في مارس الماضي، حيث قامت ميليشيات سنية بجمع رجال وفتيان علويين وإعدامهم في الشوارع، وبعضهم – كما كتبت حينها – أُجبر على الزحف نحو حتفه وهو يصرخ كالحيوانات. لكن مجرد فكرة أن الجهاديين يسعون لإحياء ممارسة "السبايا" تثير رعبًا خاصًا لدى العلويين، وهناك روايات موثوقة من أسر الضحايا وأحيانًا من الضحايا أنفسهم.
"ساميرا" (23 عامًا) تقول إنها تمكنت من الهرب بعد أن اختُطفت، وتعرضت للاغتصاب الجماعي، ثم بِيعت في زواج قسري. (الاسم مستعار حفاظًا على هويتها). تحدثنا عبر تطبيق "واتساب" بمساعدة مترجم، وروت لي أنها خُطفت من أحد شوارع مدينة حمص في فبراير. هذه روايتها:
توقفت بجانبها سيارة بيضاء مغطاة بالطين للتمويه – وصفتها بأنها "عسكرية"، وخرج منها ستة رجال ملثمين. حاولت ساميرا الفرار، لكنهم أمسكوا بها وألقوها في مؤخرة السيارة. قاومت بشدة أثناء انطلاق السيارة، لكنها كانت تتعرض للضرب في ذراعيها وساقيها، ثم ركلها أحدهم على وجهها، فتوقفت عن الحركة.
وُضعت عصابة على عينيها، واستمرت السيارة في السير لنحو ساعة. عند التوقف، أزيلت العصابة، فوجدت نفسها أمام منزل غير مكتمل البناء على أرض صخرية. تم دفعها إلى الداخل وصعودًا إلى غرفة بها أرائك منخفضة. بعض الرجال بقوا ملثمين، وبعضهم ارتدى الجلابيات القصيرة (كما ورد أن النبي محمد ارتداها)، وبعضهم وضع عصابات سوداء على رؤوسهم كتب عليها جزء من الشهادة: "لا إله إلا الله".
كانت هناك امرأة أخرى جالسة، ربما في الخمسين من عمرها، شعرها بدأ يشيب، لم تنطق بكلمة، كانت تحدق في الفراغ. أُعيد تغطية عيني ساميرا، وقُيدت يداها. أخذ أحد الرجال هاتفها واتصل بعائلتها، وقال لهم إن الفدية المطلوبة 500 مليون ليرة سورية (حوالي 30 ألف جنيه إسترليني). وأضاف: "إذا لم تدفعوا، سنرسل لكم يدها".
مع حلول المساء، أخبرها أحد الرجال أنه سيُعيدها إلى بيتها، فشعرت بالأمل. لكنه قادها إلى غرفة أخرى بها فراش على الأرض. حاول نزع ملابسها، وعندما قاومته، استدعى رجلًا آخر. أجبروها على خلع ملابسها، واغتصبها أحدهم بينما كان الآخر يمسك بها. "فقدت الوعي. وعندما استيقظت، كان هناك سبعة رجال، واغتصبوني بالتناوب."
في اليوم التالي، وجدت نفسها وحدها، وبدأت بالنزول عبر الدرج الإسمنتي، لكن أحدهم ضربها بمؤخرة بندقية على رأسها، ففقدت وعيها، ثم أعيدت إلى الغرفة. في تلك المرة، اغتصبها أربعة رجال، أهانوا طائفتها بألفاظ مثل "عاهرة سافرة" و"خنزيرة نُصيرية". مرّت الأيام والاغتصاب مستمر، وكانت مقيدة ومعصوبة العينين، وتذكر لونين للحبال: أخضر وبني. أصبحت ضعيفة للغاية.
في أحد الأيام، أمرها الرجال، مع المرأة الأكبر سنًا، بالنزول إلى الطابق السفلي والجلوس على الأرض الإسمنتية. قالوا للمرأة: "ما حدا دفعلك"، وأطلقوا عليها النار في صدرها من بندقية كلاشينكوف. بقيت جالسة رغم الدماء التي فاضت من صدرها. ثم قالوا لساميرا: "صلي"، فألقت بنفسها على الأرض، تتوسل وتبكي، تلمس بأطراف أصابعها أحذيتهم. "كنت أرتجف بكل جسدي."
لكنهم لم يقتلوها. بدلاً من ذلك، جعلوها تتمدد، وجمعوا دم المرأة الأخرى في دلو وسكبوه بجانب رأس ساميرا، ثم التقطوا صورًا لتبدو وكأنها ميتة. مساءً، فهمت السبب: وصل رجل مسن، في الستينيات من عمره، نادوه بـ"الأمير". أُجبرت على الاستحمام وارتداء النقاب الأسود، وقام بتفتيشها، ثم سلّم الرجال حقيبة مليئة بالمال – لقد تم بيعها.
أخذها "الأمير" في سيارة "رينج روفر"، مشيرًا إلى مسدسه، وقال: "إذا تحركتِ، سأقتلك". توسلت إليه أن يوضح ما سيحدث لها، فأجاب: "أنقذتك. كانوا سيقتلونك مثل تلك المرأة. أنا اشتريتك، أنتِ ملكي. ستكونين كزوجتي، ستفعلين كل ما آمرك به."
عاشت معه في منزل بمحافظة إدلب الشمالية. لم ترغب بالحديث عن تلك الفترة، واكتفت بقول: "تمنيت لو مت قبل أن أذهب إلى هناك." بدا أن له نفوذًا؛ كان مسؤولون يزورونه، ولم يُوقف على الحواجز. نجحت في إقناعه بأنها استسلمت لقدرها، فسمح لها بالاتصال بأسرتها، التي كانت قد أقامت جنازة لها بعد أن شاهدت صورها على مواقع التواصل.
لاحقًا، نُقلت ساميرا إلى لبنان تهريبًا، وأُسكنت في منزل يخضع لحراسة قريبة من أقارب "الأمير". هددها بقتل عائلتها إن حاولت الهرب، لكنها تجرأت في نهاية المطاف وسرقت مفتاحًا وهربت. اتصل "الأمير" بوالديها مهددًا بقتلهم إن لم تعد إليه. لا تزال مختبئة حتى اليوم. تقول إنها "مسرورة بحريتها الجديدة"، لكنها "مشلولة بالخوف".
عرّفتني على ساميرا الناشطة "إينانا بركات"، وهي خارج سوريا لكنها تتواصل مع الأسر المتضررة، غالبًا بعد رؤيتها مناشدات على "فيسبوك" أو "إكس". تقول إنها وثّقت 56 حالة اختطاف لفتيات ونساء، أُعيدت منهن 25، معظمهن بعد تعرضهن للاغتصاب، فيما البقية لا يزلن مفقودات. 10 منهن تحت سن الـ18، أصغرهن تبلغ 15 عامًا وأكبرهن 55. تصف الوضع بأنه "عبودية جنسية" وفقًا لتفسير الجهاديين للشريعة. تقول إن عائلات كثيرة تمنع بناتها من الذهاب إلى المدرسة، مضيفة: "هنّ يعشن في حالة من الرعب."
هناك حالات أخرى. امرأة تبلغ 23 عامًا اختفت مع طفلها البالغ 11 شهرًا أثناء انتظارها سيارة أجرة. لم يسمع عنها أحد منذ ذلك الحين. وأخرى، ربة منزل (29 عامًا)، اختفت بعد موعد طبي، وبعد عشرة أيام تلقت عائلتها رسالة صوتية منها بصوت غريب تقول فيها: "أنا خارج البلد ومتزوجة. لا تسألوا عني ولا تقلقوا."
إعادة استعباد النساء ظهر من جديد في سوريا مع صعود تنظيم داعش قبل نحو عقد. حيث احتُجز آلاف النساء والفتيات من الأقلية الإيزيدية وبيعن في أسواق النخاسة. وقد قابلت فتاتين مراهقتين اختُطفتا من قبل بستاني العائلة، وكان يستمتع بإذلالهما. امرأة أربعينية روت كيف اشتراها رجل فقير لأنها لا يستطيع توظيف خادمة، ثم طُردت من منزله عندما أصيبت بالسرطان. هذه القصص لم تكن نادرة.
أما "هيئة تحرير الشام" التي تحكم شمال سوريا اليوم، فلم يُعرف عنها استعباد النساء، لكنها تضم على الأرجح عناصر من داعش. أحيانًا يُرى مقاتل من ميليشيات النظام لا يزال يرتدي شعار داعش. ويُحتمل أيضًا أن مجرمين عاديين يستغلون الفوضى في البلاد. فمع توسع الفوضى والخطف والنهب خلال الثورة السورية، طُرح السؤال: هل انضم المجرمون للميليشيات، أم أن الميليشيات نفسها تحوّلت إلى الجريمة؟ ربما حدث الأمران معًا.
يقول الناشطون إن الشرطة ترفض في كثير من الأحيان التحقيق عند اختفاء فتاة أو امرأة علوية، أو تحاول تحميل الأسرة المسؤولية. وفي بعض الحالات، تظهر الفتيات في مقاطع فيديو يدعين فيها أنهن هربن للزواج، وتستخدم السلطات هذه المقاطع كدليل على عدم وقوع جريمة، بينما يرى الناشطون أنهن مجبرات على ذلك. ويؤكدون أن العنف ضد العلويين لا يزال مستمرًا. أحدهم نشر مقطعًا يُظهر هجوم مسلحين ملتحين على مطعم بسبب بيعه للكحول. ويخشى الناشطون من أن يكون مستقبل سوريا إسلاميًّا متشددًا واستبداديًّا.
في أفغانستان، عاد "طالبان 2" إلى الحكم مدّعين أنهم أكثر اعتدالًا، لكنهم عادوا لتشددهم القديم. أما في سوريا، فإن المجتمع الدولي يمنح حكومة الرئيس الجديد "الشرع" فرصة. الحكومة جاءت نتيجة تحالف واسع من الفصائل المسلحة، وقد تكون عاجزة عن حماية العلويين، أو أن بعض عناصرها لا يريدون ذلك أصلاً. عاجزون أم غير راغبين؟ بالنسبة للعائلات التي اختُطفت نساؤها أو بناتها، لا فرق كبير.
بقلم: بول وود
(عمل مراسلًا دوليًا في هيئة الإذاعة البريطانية BBC لأكثر من 25 عامًا، وغطى الأحداث من بلغراد وأثينا والقاهرة والقدس وكابول وواشنطن، وحاز على عدة جوائز بينها جائزتا "إيمي" أمريكيتان عن تغطيته للحرب السورية)
© Powered By SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2026